ابن الجوزي
23
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
أعلم أحدا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية ، فإنه على مثل ما نحن عليه ، فإن أحببت فاته فإنه على أمرنا . قال : فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمّورية ، وأخبرته خبري ، فقال : / أقم 6 / أعندي ، فأقمت عند رجل على هدى أصحابه وأمرهم ، واكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة ، قال : ثم نزل به أمر الله عز وجل ، فلما احتضر قلت له : يا فلان ، إني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان ، وأوصى بي فلان إلى فلان ، وأوصاني فلان إليك ، فإلى من توصي بي وما تأمرني ؟ قال : أي بني ، والله ما أعلم أنه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه ، ولكن قد أظلك زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجرا إلى أرض بين حرّتين بينهما نخل ، به علامات لا تخفى ، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، بين كتفيه خاتم النبوة ، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل . قال : ثم مات وغيب ، فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث ، ثم مر بي نفر من كلب تجارا ، فقلت لهم : تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنمي هذه [ 1 ] ؟ قالوا : نعم ، فاعطيتموها [ 2 ] وحملوني حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل من يهود ، فكنت عنده ، ورأيت النخل ورجوت أن تكون البلد الَّذي وصف لي صاحبي ولم يحق لي في نفسي . فبينما أنا عنده قدم عليه ابن عم له بالمدينة من بني قريظة فابتاعني منه ، فاحتملني إلى المدينة ، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي ، فأقمت بها ، وبعث الله رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق . ثم هاجر إلى المدينة ، فوالله إني لفي رأس غدق لسيدي أعمل فيه بعض العمل ، وسيدي جالس ، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه ، فقال له فلان : قاتل الله بني قيلة ، والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعم أنه نبي [ 3 ] . قال : فلما سمعتها أخذتني العرواء حتى ظننت أني سأسقط على سيدي ، ونزلت من النخلة فجعلت أقول
--> [ 1 ] في المسند : « غنمتي هذه » . [ 2 ] في الأصل : « فأعطيتهم إياها » . [ 3 ] في المسند : « يزعمون أنه نبي » .